الجمعة، 23 أغسطس 2013

الأرض والاحتباس الحراري... هل بات المحذور قريبا؟

الأرض والاحتباس الحراري... هل بات المحذور قريبا؟
 
شبكة النبأ: ارتفاع درجة الحرارة احدى اهم واخطر الظواهر التي تهدد استمرار الحياة على الكرة الارضية كما يقول العلماء الذين اكدوا على أن حرارة الأرض في ارتفاع مستمر بسبب تأثيرات الاحتباس الحراري الذي اسهم بتفاقم هذه المشكلة ، وهذا ما أثبتته قياسات درجات الحرارة خلال السنوات الماضية. وارتفاع حرارة الأرض أمر خطير للغاية لأنه يُؤدي إلى نتائج كارثية، فاستمرار تلك الزيادة في درجة حرارة الأرض يُؤدي إلى ذوبان جبال الجليد في القطبين وبالتالي ارتفاع مستوى البحر ما ينتج عنه إغراق المناطق الساحلية، وكل ذلك يُحدث تغيرات كبيرة في مناخ الأرض تتفاوت بين الأعاصير، موجات الجفاف، الفيضانات والحرائق وغيرها من الكوارث الاخرى.
ويجمع العلماء على ضرورة العمل للحد من ارتفاع درجات الحرارة قبل فوات الأوان وذلك من خلال معالجة الأسباب المؤدية للارتفاع واتخاذ الاجراءات الرسمية في شأنها على مستوى العالم بأكمله، لأن مزيدًا من الغازات المسببة للاحتباس الحراري على مستوى العالم يؤدي إلى ارتفاع اكبر في درجات الحرارة. وفي هذا الشأن وعلى رغم الجهود المبذولة للحد من انبعاثات غازات الدفيئة، تتعرض الارض في السنوات الثلاثين المقبلة لموجات من الحر لا مفر منها، بحسب ما اظهرت دراسة نشرت في مجلة "سيانتيفيك انفيرنمنتال ريسرتش ليترز". وقال الباحث ديم كومو من معهد بوتسدام للدراسات حول المناخ "حتى العام 2040، سترتفع وتيرة موجات الحر الشديد بمعزل عن درجة انبعاثات غازات الدفيئة في الجو". ومن المتوقع ان تبلغ موجات الحرارة الاستثنائية مستويات عالية توازي تلك التي ضربت اوروبا في العام 2003 والولايات المتحدة في العام 2012، لكنها ستمتد في العام 2020 على مساحات توازي 10 % من مساحة كوكب الارض. وفي العام 2040، سيكون 20 % من كوكب الارض تحت تأثير هذه الموجات.
وبعد هذا التاريخ، سيكون الامر مرتبطا بمستوى انبعاثات غازات الدفيئة في الجو. فاذا كانت الانبعاثات قليلة، فان موجات الحرارة ستعود وتتراجع. وهذا يعني ان موجات الحر ستصبح هي المناخ المعتاد في المناطق المدارية في آخر القرن الحالي، مشكلة 50 % من الصيف في اميركا الجنوبية وغرب افريقيا و20 % من اوروبا الغربية. أما في حال استمرار الارتفاع في انبعاثات غازات الدفيئة، فان 85 % من كوكب الارض سيكون عرضة لموجات حر شديد بدرجة 3 سيغما، و60 % سيكون عرضة لموجات اقسى من درجة 5 سيغما. وبحسب ديم كومو فان "هذه التغيرات المناخية يمكن ان تكون ذات اثر مدمر على المجتمع والتنوع البيئي، مسببة حالات وفيات جراء الحرارة، وحرائق الغابات، وخسائر في الانتاج الزراعي".
وفيات بسبب الحرارة
في السياق ذاته توفي أكثر من 700 شخص في انكلترا نتيجة موجة الحر الشديد التي شهدتها البلاد. ونقلت شبكة سكاي نيوز التلفزيونية البريطانية عن خبراء الصحة القول إن أقسام الإسعاف في المستشفيات البريطانية تعاملت مع سيل من المرضى جراّء موجة الحر، التي سجلت رقماً قياسياً لم تعرفه بريطانيا منذ عشرات السنين، حيث وصلت درجات الحرارة فيها إلى 32 درجة مئوية.
وأعلن مكتب الأرصاد الجوية رفع مستوى التحذير من موجة الحر إلى الدرجة الثالثة، في العاصمة لندن والمناطق الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية من البلاد ومقاطعة مدلاندز الغربية. وقالت رئيسة قسم الصحة العامة في دائرة الصحة بانكلترا البروفسور فيرجينيا موراي : إن خطر الوفاة أو المرض جرّاء موجة الحر يثير قلقنا، وخاصة لمن يعانون مشاكل في التنفس لأنهم يواجهون خطراً أكبر بكثير من غيرهم بسبب عدم قدرتهم على التعامل مع الحرارة الشديدة.
من جانب اخر خلّفت موجة الحرّ التي ضربت اليابان ثلاثة قتلى فيما تم نقل أكثر من 2500 شخص إلى المستشفيات. ونقلت وكالة الأنباء اليابانية (كيودو) عن وكالة إدارة الحرائق والكوارث أن 2594 شخصاً أدخلوا إلى المستشفيات بإصابات مختلفة، فارق ثلاثة منهم الحياة نتيجة موجة الحرّ التي تضرب البلاد. وكانت درجات الحرارة ارتفعت مع نهاية موسم المطر ووصلت إلى 35 درجة مئوية في معظم مناطق اليابان.
من جهة اخرى تسبب ارتفاع درجات الحرارة خلال الفترة الأخيرة في وفاة 18 شخصا بعدة مناطق في جنوب الجزائر، 7 وهي نفس الحصيلة التي سجلت العام الماضي. وذكرت صحيفة (الخبر) أن 14 شخصا أغلبهم من الشيوخ المصابين بارتفاع ضغط الدم توفوا بولاية ادرار في موجة حر شديدة تجتاح عدة مناطق من الولاية، حيث تراوحت درجة الحرارة مابين 53 و58 درجة. ونقلت الصحيفة عن مصدر طبي قوله أن أكبر حصيلة من الوفيات سجلت جنوب الولاية وتحديدا في دائرة أولف (7 وفيات) ومنطقة رقان. وذكرت الصحيفة ان الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي ساهمت في ارتفاع عدد الوفيات خاصة لدى كبار السن والمصابين بارتفاع ضغط الدم الحاد. كما سجلت أربع وفيات أخرى بولايات اليزي وتمنراست وغرداية.
على صعيد متصل سجلت مدينة شنغهاي درجات حرارة قياسية غير مسبوقة منذ 140 عاما على الاقل ما تسبب بمصرع عشرة من سكانها على الاقل، كما اعلن مسؤول طبي. وموجة الحر هذه لا تشمل العاصمة الاقتصادية للصين فحسب، لكنها تطال عددا من المقاطعات في وسط وشرق البلاد حيث حذرت السلطات من ان الحرارة قد ترتفع الى حدود 41 درجة مئوية. وفي شنغهاي، بلغت الحرارة 39,8 درجات مئوية وهي الاعلى بحسب اجهزة الارصاد الجوية.
واثارت موجة الحر هذه تهافت السكان على احواض السباحة العمومية والمكتظة اصلا في الايام العادية. ونشرت وسائل الاعلام الصينية خصوصا صورة التقطت في مقاطعة سيشوان في مركز للترفيه يطلق عليه "البحر الميت في الصين" حيث يتكدس مئات الزوار مع سترات للعوم في حوض سباحة واحد. وفي مناطق اخرى مثل مدينة باينيان (وسط)، نقل احد المطاعم طاولاته الى ضفة نهر لكي يتمكن الزبائن من تناول الغداء وارجلهم في الماء.
خطر الاندثار
الى جانب ذلك لم يسمع أحد تقريبا في الولايات المتحدة عن قرية كيفالينا في ألاسكا، فهي قرية تقع على لسان ساحلي من الرمال على حافة بحر بيرنغ، وهي قرية صغيرة جدا حتى أنها لا تظهر في خرائط ألاسكا، فضلا عن خرائط الولايات المتحدة. ولعل الأمر كذلك أيضا لأنه من المرجح أن تختفي قرية كيفالينا تحت الماء في غضون عشر سنوات، وأن تذهب إلى الأبد. وسوف تذكر، إذا كان الأمر كذلك، كموقع أول لميلاد اللاجئين في أمريكا جراء التغيرات المناخية.
ويعيش نحو 400 شخص من السكان الأصليين حاليا في قرية كيفالينا في مجموعة من الكبائن ذات الطابق الواحد، وتعتمد حياتهم على صيد الحيوانات وصيد الأسماك. وقد حماهم البحر لعدد لا يحصى من الأجيال، لكن التراجع الكبير للجليد في القطب الشمالي في العقدين الماضيين أدى إلى تآكل السواحل، ولم تعد الطبقة السميكة من الجليد تحمي سواحلهم الآن من القوة المدمرة لعواصف الشتاء والخريف.
وقام فيلق للمهندسين بالجيش الأمريكي ببناء حاجز دفاعي بطول الساحل في عام 2008، لكنه لم يكن أبدا أكثر من مجرد إجراء للحيلولة دون اتساع الفجوة. وأجبرت عاصفة شرسة قبل عامين السكان على الإخلاء الطارئ لأماكنهم، والآن يتوقع المهندسون أن قرية كيفالينا لن تكون صالحة للسكن بحلول عام 2025.
ولا تعد قصة كيفالينا قصة فريدة من نوعها، حيث تظهر تسجيلات درجات الحرارة أن منطقة القطب الشمالي في ألاسكا تزداد حرارتها بسرعة تعادل ضعف سرعة باقي الولايات المتحدة. وقد أدى تراجع الجليد، وارتفاع مستوى سطح البحر ببطء، وتآكل السواحل بشكل متزايد إلى وجود ثلاثة من مستوطنات الاسكيمو التي تواجه خطر الدمار الوشيك. وتزداد المشكلة بارتفاع تكاليف مواجهتها، حيث تعتقد الولايات المتحدة أنها قد تتكلف ما يقرب من 400 مليون دولار لإعادة توطين سكان قرية كيفالينا في أماكن أكثر ارتفاعا. فبناء طريق، ومنازل، ومدرسة ليس رخيصا في مثل هذا المكان الذي يصعب الوصول إليه، كمل لا توجد إشارة إلى أن الأموال ستأتي إليهم قريبا من خلال الأموال العامة.
وتقول رئيسة مجلس المدينة كولين سوان إن قبائل السكان الأصليين تدفع الثمن من أجل مشكلة لم تسهم في صنعها. وأضافت "إذا كنا سنبقى هنا في السنوات العشر القادمة، فإما ان ننتظر الفيضان ونموت، أو نبتعد ونذهب إلى أي مكان آخر. فقد فرضت الولايات المتحدة هذا النمط الغربي من الحياة علينا، وقدمت لنا أعباء جديدة، والآن يتوقعون منا أن نجمع أغراضنا وننقلها بأنفسنا، أي نوع من الحكومات التي تفعل ذلك؟"
ولا توجد طرق في شمال كيفالينا، وتوجد فقط الرقعة الشاسعة من السهل الجليدي للقطب الشمالي في الاسكا.
يعتبر المنزلق الشمالي لألسكا اكبر حقول النفط الامريكية وفي أقصى الشمال من أطراف الأراضي الأمريكية تقع بلدة بارو، وهي أقرب بكثير للقطب الشمالي منها إلى واشنطن، وهي خط المواجهة للتغيرات المناخية في الولايات المتحدة.
وينحدر سكان بارو في الغالب من قبيلة الإنوبيات، وهي من شعب الاسكيمو، والتي تعيش على صيد الحوت القطبي والفقمة، لكن العام الجاري بالنسبة لهم كان عاما يعج بالمشاكل. فقد بدأ الجليد البحري في الذوبان والتفكك ثم عاد ليتجمد مرة أخرى، لكن طبقة الجليد كانت رفيعة وغير مستقرة، ولم يعد الصيادون قادرون على السير بقواربهم، وبالتالي دُمر موسم الصيد لديهم. وللمرة الأولي منذ عقود لم يتم اصطياد حوت قطبي واحد في بلدة بارو، ويقول أحد الرجال من ذوي الخبرة الكبيرة في صيد الحيتان، ويدعى هيرمان أسوك، إن كثافة الجليد كانت تصل إلى ثلاثة أمتار في فصل الشتاء، لكن كثافته الآن تزيد قليلا عن متر واحد.
ويضيف: "علينا أن نتكيف مع ما هو قادم إذا أردنا أن نستمر في الطعام وفي البقاء بعيدا عن البحر، لكن عدم وجود حوت هذا العام يعني أنه سيكون هناك شتاء طويل وبارد." وتعرف مدينة بارو بأنها "مدينة العلوم" في المنطقة القطبية الشمالية. حيث تستقبل في الصيف عشرات العلماء من دول العالم الذين يرصدون انكماش الجليد القطبي الشمالي، وسرعة ذوبان الطبقة المتجمدة في منطقة التاندرا. وقال أسوك إنه انضم إلى فريق من العلماء لدراسة عينات من الجليد أمام سواحل بارو بونيت. ركبنا سيارات فوق سطح الجليد البحري، لم نكن بمفردنا، وقال لي مرشدي المحلي براور فرانتز "ستكون برفقة حراس مسلحين للدببة القطبية".
وأضاف "طبقة الجليد رفيعة للغاية على نحو لا يمكّن الدببة القطبية من اصطياد فريساتها لذا تضطر إلى الهبوط على سطح اليابسة بحثا عن الطعام. ولا ينبغي أن تكون بمفردك أثناء مواجهة دب جائع." ويتعلق دور ألاسكا في قصة المناخ بالأسباب والتأثير. ففي الوقت الذي تحتر فيه الاراضي القطبية الشمالية لأمريكا، تواصل ألاسكا بالنهوض بدور فعال كمصدر للوقود الحفري المعتمد على الكربون الذي يعتبره الكثير من العلماء بمثابة المحرك الرئيسي لتغير المناخ.
ويعتبر المنزلق الشمالي لألسكا اكبر حقول النفط الامريكية ، كما يمثل خط أنابيب (ترانس ألاسكا) عاملا رئيسيا لأمن الطاقة في أمريكا. وتقول رئيسة مجلس المدينة كولين سوان إن قبائل السكان الأصليين تدفع الثمن من أجل مشكلة لم تسهم في صنعها ومع تراجع الأنتاح في الحقول الحالية، يبرز ضغط هائل على الاستفادة من احتياطيات ألاسكا غير المستغلة. ولقد أطلقت شركة (شل) خطة طموحة تقضي ببدء عمليات حفر بحرية في القطب الشمالي على الرغم من اعتراضات شديدة من جانب مجموعات الحفاظ على البيئة. وبرزت حالة من القلق الشديد عندما بدأت أعمال حفر قبالة سواحل ألاسكا، غير أن العمليات توقفت حاليا، لكن المزايا هائلة جدا مقارنة بتجاهلها.
وتعتقد كيت موريارتي، المدير التنفيذي لاتحاد ألاسكا للنفط والغاز، ان المنطقة تحتوي على 50 مليار برميل نفط غير مستغل حتى الان. وقالت "الواقع يقول إن المنطقة القطبية الشمالية بصدد تطور، والسؤال من نرغب أن يتصدر هذه العملية؟ أقول إننا نرغب في ان تكون الولايات المتحدة، لأن الواقع يقول غن الطلب العالمي على النفط والغاز لن يتراجع."
ولقد سجلت عائدات قطاع النفط زيادة جاوزت نسبتها 90 في المئة من ميزانية الولاية التي تعتمد في وجودها بشكل رئيسي على النفط. وتعني ايرادات النفط عدم فرض ضريبة على الدخول غلى جانب منحة سنوية لمواطني الاسكا. وعندما يتعلق الأمر بالموازنة بين الضغوط المتعارضة، مثل التغير السريع في المناخ من ناحية، والطلب على زيادة اقتصاد الولاية المدفوع بالكربون من ناحية، فمن دون شك تعرف الأولويات أي طريق تسلك.
وخلال جيل ربما يكون المحيط القطبي الشمالي خال من الجليد خلال الصيف، حيث أصبح معدل الاحترار في أقصى الشمال غير متلائم مع أي منطقة أخرى على كوكب الارض. ومن حيث استغلال الموارد وعمليات الشحن وتوطين الانسان من المرجح أن تصبح ألاسكا منطقة أكثر جاذبية، حيث يصف العلماء ذلك برد فعل إيجابي، أما بالنسبة لمواطني ألاسكا على جبهة تغير المناخ، قد لايبدو الأمر ايجابيا على الإطلاق.
شبكة النبأ المعلوماتية- الثلاثاء 20/آب/2013 - 12/شوال/1434

ثورة الإمام الحسين (ع) الإصلاحية ودورها في تعزيز الوحدة الوطنية

ثورة الإمام الحسين (ع) الإصلاحية ودورها في تعزيز الوحدة الوطنية

  • منصور محمد سرحان
  • comments [at] alwasatnews.com

تعد ثورة الإمام الحسين (ع) من بين أشهر الثورات الإصلاحية التي حدثت في تاريخ الإنسانية. فثورته لم تكن لجمع المال والبحث عن الجاه، والتطلع إلى الحكم والتسلط على رقاب الناس، بل كانت لضمان مبدأ حرية الإنسان وكرامته، ومنحه حق الكلمة ليطالب بحقوقه ويعيش حياة كريمة بعيدة كل البعد عن الذل والهوان.
تجسيدا لتلك الأهداف السامية التي كان يتطلع إليها الإمام الحسين (ع) في ظل دولة الجور والإرهاب وانتهاك الحقوق وضرب القيم الإسلامية عرض الحائط انتفض الإمام الحسين (ع)؛ لحماية القيم الإسلامية السمحاء التي نشرها جده المصطفى (ص). فالمحافظة على القيم الإسلامية وحماية الدين الإسلامي من الذين يتربصون به، ووضع حد للظلم والجور والفساد، دفعا الإمام الحسين (ع) إلى القيام بثورته المباركة؛ دفاعا عن بيضة الإسلام. وقدم حياته ثمنا لبقاء الإسلام على نقائه وحفظ قيمه.
المتبحر في ثورة الإمام الحسين (ع) يجدها ثورة إصلاحية بمعناها الواسع. فقد ناشد القوم بقوله: «لم أخرج أشرا ولا بطرا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي. أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر... فمن قبلني بقبول الحق فالله أوْلى بالحق. ومن رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين».
لقد قطع الإمام الحسين (ع) الشك باليقين عندما حدد هدف ثورته بكلمة «الإصلاح». فالإصلاح يعني أن تعيش الأمة معززة مكرمة، ينتشر بينها العدل، وتسودها روح المساواة، وتعلو فيها كلمة الحق؛ ضمانا للمحافظة على حرية الإنسان وصون حقوقه المشروعة.
إن ثورة الإمام الحسين بن علي (ع) كانت ثورة شجاعة ضد مظاهر التسلط والاستبداد، وكان لها صداها المؤثر منذ استشهاده (ع) في سنة 61 هـ حتى يومنا هذا.
وقد تأثر الكثير من القادة والمفكرين والحكماء والأدباء والشعراء والكتّاب والباحثين بهذه الثورة العظيمة التي وصل صداها إلى جميع أنحاء المعمورة. فراحت أقلامهم تسطّر ملحمة كربلاء الخالدة. وصدرت بذلك الكتب والموسوعات والدواوين المعبّرة عن أول ثورة في هذا الكون انتصر الدم فيها على السيف.
وقد عبّر الكاتب الأديب أنطوان بارا في كتابه «الحسين في الفكر المسيحي» عن ثورة الإمام الحسين (ع) أصدق تعبير قائلا: «الثورة التي فجرها الحسين بن علي، عليه وعلى أبيه أفضل السلام، في أعماق الصدور المؤمنة والضمائر الحرة، هي حكاية الحرية الموءودة بسكين الظلم في كل زمان ومكان وجد بهما حاكم ظالم غشوم، لا يقيم وزنا لحرية إنسان، ولا يصون عهدا لقضية بشرية، وهي قضية الأحرار تحت أي لواء انضووا، وخلف أية عقيدة ساروا».
إن من بين أبرز مظاهر ثورة الإمام الحسين (ع) تجسيدها روح الوحدة الإسلامية؛ نظرا إلى قدسية هذه الثورة والأهداف السامية التي تسعى إلى تحقيقها. فهذه الثورة الإصلاحية لم تكن ملكا لفئة دون أخرى، بل هي للإنسانية جمعاء.
وتعد مملكة البحرين مثالا حيا على الدور الفاعل الذي لعبته انتفاضة كربلاء في توحيد صفوف أبناء هذا الشعب الوفي بمختلف مذاهبه وأديانه. وقد ضربت المملكة المثال الرائع في تخليد ثورة الإمام الحسين (ع) وتمجيدها من قِبل الجميع سنة وشيعة.
وسخّرت حكومتنا الإعلام في خدمة واقعة الطف. وأخذت الأقلام النيّرة والخيّرة من جميع طوائف أبناء هذا البلد في نشر المقالات التي تتحدث عن قيم معركة كربلاء والأهداف السامية التي سعت إلى تحقيقها. كما انبرى خطباء المساجد والجوامع من دون استثناء للإشادة بذكر استشهاد الإمام الحسين (ع) وأنصاره في واقعة الطف.
ومن أجل إتاحة الفرصة لجميع أبناء البحرين لإفادة من مناسبة عاشوراء، وإقامة الشعائر الخاصة بها، فقد كانت حكومتنا سبّاقة بأن خصصت يومي التاسع والعاشر من محرم الحرام عطلة مجسدة بناء الوحدة الوطنية بإجلاء معانيها.
وكان دور شعراء البحرين وكتّابها على امتداد التاريخ الحديث فاعلا بالإشادة بثورة الإمام الحسين (ع)، مجسدين الوحدة الوطنية التي بناها الأجداد وسار على أثرها الآباء وترعاها الأجيال الحاضرة. فمنذ أكثر من سبعين عاما وتحديدا في 10 محرم من العام 1356هـ نظم أديب البحرين الكبير إبراهيم العريض قصيدة بعنوان «شهداء الطف» يقول فيها:
يا سيدَ البطحاء ما شأنها
حتى ثوى في الطف ريحانها
معتصما بالله في صفوة
قضى لها بالفوز إيمانها
هل عابها شيء سوى أنه
أسبقها للموت شبانها
وتنكص الريات إلا التي
تدرأ عنها البغي إيمانها
مؤثرا كأس الردى علقما
على الذي يمليه عيدانها
فيا لها في الملك من فتنةٍ
عمياء قد جاوز طغيانها
في أمة بدد من شملها
ما كان قد ألف قرآنها
حتى تجلى الحق في عرصة
قاحلة تؤويه أخذانها
هادئة بين يدي ربها
والخيل لا يهدأ عدوانها
ما أفجع التاريخ في صفحة
خط بذاك الدم عنوانها
***
وفي العام 1374هـ نظم الشاعر الكبير عبدالرحمن المعاودة قصيدة في ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) يقول فيها:
ضربت للحق فينا أروع المثل
ولم تبالِ بما لاقيت يا بن علي
عليك منا سلامُ الله ما هتفت
ورقاء أو غرد الحادي على الابل
قد قمتَ في نصرة الإسلام متخذا
من هدي جدك طه أقوم السبل
فيا بن فاطمة الزهراء حسبُك من
مجدٍ بأنك من أبطالنا الأُوَل
***
ويقول في جانب آخر من القصيدة:
إن الإمام الحسين السبط وهو كما
في علمكم نسل خير الخلق والرسل
ضحّى وقاوم عدوان الطغاة ولم
يلحقه في الله من وهنٍ ومن كلل
حتى غدا عَلَما في كل مكرمة
وكان في زمرة الأبرار في الأُوَل
***
وفي وقتنا المعاصر كتب الشيخ خليفة بن حمد آل خليفة مقالا رائعا عنوانه «رسالة إلى أبي الشهداء الحسين بن علي عليه السلام» تم نشرها في محرم الحرام سنة 1425هـ نقتبس منها الفِقرة الآتية:
«سيدي أبا الشهداء
تسامت مناقبك إلى مداها الأعلى في كربلاء. فخلائقك الشريفة كانت في سباق بينها أيّها يظفر بفخار اليوم فهل كنت في شجاعتك أشجع أم في صبرك أصبر أم في كرمك أكرم؟ لكنه كان يوم الشجاعة وكانت الشجاعة فضيلة الفضائل التي تمدها روافد كل خلق وكل منقبة فيك.
لقد كنت يا أبا الشهداء في شجاعتك الروحية والبدنية معا في غاية الغايات وكنت مضرب المثل بين الرعيل الأول من أشجع الشجعان وكنت باستشهادك أبا للشهداء وينبوع شهادة متعاقبة لا يُقْرَن بها ينبوع في تاريخ البشر جميعا».
وهكذا يبرهن ما سطره أبناء البحرين بأقلامهم عن معركة العزة والكرامة معركة كربلاء الفداء على أصالة هذا الشعب الذي عُرِف دائما بوحدته وترابط نسيجه الوطني.
منصور محمد سرحان
صحيفة الوسط البحرينية - العدد 1959 - الخميس 17 يناير 2008م الموافق 08 محرم 1429هـ

ثـَورة الإمام الحسَـيْن عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم
 
ثـَورة الإمام الحسَـيْن عليه السلام
تَنَفَسَ يزيد الصعْداءَ وَهُوَ يَجلِسُ عَلى كُرسيِّ الحُكْمِ بَعدَ مَوتِ أَبِيهِ، ثُمَّ راحَ يُرَدِّدُ بِفَرحٍ شَدِيدٍ:
" لَقدْ أَصبَحتُ حاكِماً.."
لكِنَّ سِرعانَ مَا صَرَخَ هاتِفٌ في رَأسِهِ:
"لقد آن الأوان لِيَنكَشِفَ ذلِكَ الغِطاءُ.."
اِنتَفَضَ صَارِخاً: أيَّ غطاءٍ.. ؟!
أجابه الهاتف:
"ذلِكَ الغِطاءُ الّذِي حَرَصَ والدُك عَلى أَنْ يَبقى مُسدِلاً عَلى جَميعِ تَصَرُفاتِهِ وَأَفعالِهِ.. فَاستَطاعَ بِذلِكَ أَنْ يُمرِّرَ سِياسَتَهُ عَلى عُقولِ الناسِ.. وَقَدْ بَذَلَ قُصارى جُهدِهِ لِيبقى الغِطاءُ بَرّاقاً ، فَحاوَلَ بِذلِكَ مَنَحَ سُلُوكَهُ الصفَةَ الشَرعيّةَ أَمامَ الرأي العامّ..."
أَخَذَ الخوفُ يَتَسَرَّبُ إِلى أعْماقِ يَزيدَ وَهُوَ يُحاوِلُ مُقاوِمَتَهُ بِتَحَدِّي ذلِكَ الصوتِ الصارِخِ فِي رَأسِهِ:
وأَنا كَذلِكَ.. سَأُواصِلُ طَرِيقَ والِدي فِي الُمحافَظَةِ عَلى ذلِكَ الغِطاءِ مُسدِلاً عَلى سياستي..
تَتَعالى فِي رَأْسِهِ قَهقَهاتُ ضِحكٍ.. ثُمَّ يَصرُخُ ذلِكَ الهاتِفُ:
atfal1.jpg (21428 bytes)
"أَنتَ.. ؟!! مَنْ لا يَعرفُ يَزيدَ بنَ معاويةَ هذا الّذِي يَشْرَبُ الخَمْرَ والمُولِعَ بتربية القُرودِ والطُيورِ ، وَفِي إِقامَةِ مَجالِسِ اللّهوِ والغِناءِ..
أَيُّ مّجتَمَعٍ إِسلاميٍّ يرضى أَنْ يَعِيشَ عَصْرَ الجاهِليَّةِ تَحتَ رايةِ الإسلام.. ثُمَّ إنَّ أَباكَ فَضَحَ نَفْسَهُ حِينَ أَوْصى بالخِلافَةِ إِليكَ وَهْيَ بِحقٍ للإمام الحُسينِ عليه السلام ".
وَضَعَ يَزِيدُ رَأْسَهَ بَينَ يَدَيهِ .. وَاستَغْرَقَ فِي تفكيرٍ عَمِيقٍ.. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُردِّدَاً:
سَأَكْتُبُ إِلى والِي المدِينَةِ طالِباً مِنْهُ إرغامَ الحُسَيْنِ عَلى أَخْذِ البَيعةِ مِنْهُ.. نَعَمْ يَجِبُ إِرغامُ الحُسينِ عَلى البَيعةِ لِي..
**********
استلم الوليد بن عتبة والي المدينة، كتاب يزيد بن معاوية وقالَ بِغَضَبٍ شَديدٍ:
مَالِي والحسينَ بنَ فاطِمَةَ..؟!
وَفِي هذِهِ الأثناء تَعالَتْ قَهْقَهاتُ ضِحْكٍ صَدَرَتْ مِنْ خَبِيثٍ كانَ يَجلِسُ قُرْبَ الوَلِيدِ فِي مَجلِسِهِ وَهُوَ: مروان بنُ الحَكَمِ…
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
فَراحَ الوَليدُ يُحَدِّقُ فِي وَجْهِهِ قائِلاً:
لا أَظنُّ أنَّ الحُسينَ سَيوافِقُ عَلى بيعةِ يَزيدَ.
أجابه مَروانُ:
أَنا أَعلَمُ أَنّهُ لا يُجِيبُكَ عَلى بَيعةِ يَزِيدَ أَبداً.. ولاَ يَرى لَهُ طاعةً عَليهِ.
صمت مَروانُ بُرهةً.. ثُمَّ راحَ يُواصِلُ كَلامَهُ، وَقَدْ ارتَسَمَ حِقْدَهُ وخُبْثَهُ عَلى مَلامِحِ وَجْهِهِ، وقال:
لو كنتُ مَكانَكَ لَمْ أُراجِعَ الحُسينَ بِكَلِمَةٍ واحِدةٍ حَتّى أَضْرِبَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ يَعلَمَ بموتِ معاوية.
عَظُمَ كَلامُ مَروانَ عَلى قلبِ الوَليدِ.. فَأَطْرَقَ بِرَأْسِهِ إِلى الأرض وَراحَ يَبْكِي بِصَمْتٍ وَهُوَ يُرَدِّدُ بِحرْقَةٍ وَأَلَمٍ:
لَيتَ الوَليدُ لَمْ يُولَدْ.. وَلَمْ يَكُنْ شَيئاً مَذكوراً..
تَأَمَّلَ مَروانُ دُموعَ الوَليدِ وَهُوَ يَسْتَمِعُ إِلى كَلامِهِ.. فَراحَ يُكَلِّمَهُ بِهُدُوءٍ:
أَيُّها الأمير.. لا تَجزَعْ مِمّا ذَكَرتُ لَكَ.. إنَّ آلَ عليٍّ بنِ أَبي طالبٍ أَعداؤُنا مُنذُ القِدَمِ وَما يَزالونَ.. وإنْ لَمْ تُعالجْ أَمْرَ الحُسينِ.. فَسَوْفَ تَسقُطُ مَنْزِلَتُكَ مِنْ أَميرِ المؤمِنِينَ يَزيدَ..
فَصَرَخَ الوَليدُ بِوَجْهِ مَروانَ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ:
وَيْحَكَ دَعْنِي مِنْ كَلامِكَ هذا.. وأَحسِنْ القولَ فِي الحُسينِ بنِ فاطمةَ.. فَإِنَّهُ بَقِيةُ وُلْدِ النّبيّينَ..
*********
بَعَثَ الوليدُ بنُ عُتْبةٍ فِي اسْتِدعاءِ الإمام الحُسينِ عليه السلام وَقَدْ كَانَ الإمام يَعْلَمُ الأمر الّذي مِنْ أَجلِهِ أَرسَلَ الوَليدُ فِي طَلَبِهِ.. وَهذا لأنه رأَى في رُؤياهُ كَأنَّ معاويةَ مَنكوسٌ على رأسِهِ.. وَالنّارُ تَشْتَعِلُ فِي بَيتِهِ.. فَعَلِمَ مِنْ ذلِكَ بِهَلاكِهِ.. والوليدُ الآنَ يُريدُ أَنْ يَأْخُذَ البَيعةَ مِنْهُ لِيزِيدَ..
اِغْتَسَلَ الإمامُ عليه السلام وَصَلّى رَكعتَينِ ثُمَّ دَعا ربَّهُ بِما أَحَبَّ.. وأَرسَلَ فِي طَلَبِ فِتْيانِهِ وَمَوالِيهِ وأَهلِ بَيْتِهِ..
فَأَعلَمَهُمْ بِشَأْنِهِ قائِلاً: :
لِيأْخُذْ كُلُّ مِنْكُمْ سَيفَهُ مَسلولاً تَحْتَ ثِيابِهِ.. وَكُونوا بِبابِ هذا الرجُلِ فَإِني ماضٍ إِليه ومُكَلِّمُه.. فَإِنْ سَمِعْتُمْ صَوتِي قَدْ عَلا مَعَ القَومِ.. وَصِحْتُ بِكُمْ يا آلَ الرَسُولِ.. اِقْتَحِمُوا البابَ بِغيرِ إِذْنٍ.. وَاشْهَرُوا السيُوفَ وَلا تَعْجِلُوا.. فَإِنْ رَأَيْتُمْ مَا تَخْشَونَ ضَعُوا سِيوفَكُمْ فِيهِمْ.. وَاقْتَلُوا مَنْ أَرادَ قَتلِي..
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
خَرَجَ الحُسينُ عليه السلام مِنْ مَنْزِلِهِ.. وَمَعَهُ ثَلاثُونَ رَجُلاً مِنْ أَهلِ بَيْتِهِ وَمُوالِيهِ وَشِيعَتِهِ.. فَأَوقَفَهُمْ عَلى بابِ الوَليدِ قائِلاً لَهُمْ : اُنْظُروا مَا أَوصَيْتُكُمْ بِهِ فَلا تَعِدُوه.. وأَنا أَرْجُو أَنْ أَخْرُجَ إَليكُمْ سالِماً إِن شاءَ اللهُ..
وَدَخَلَ عَلى الوَليدِ.. فَسَلَّمَ عَلَيهِ ثُمَّ قَالَ :
كَيفَ أَصبَحَ الأميرُ اليَومَ..؟ وَكَيفَ حَالُهُ..؟
فَرَدَّ عَليهِ الوَليدُ بنُ عُتبةَ رَدّاً حَسَناً.. وأَدناهُ منه فَأَجْلَسَهُ قُربَهُ.. وَمروانُ بنُ الحَكَمِ، ذلِكَ الخَبيثُ، كانَ جالِساً يَنْظُرُ إِليهِما.. فَسَأَلَ الإمام الحُسينُ عليه السلام الوَليدَ عَنْ أَمر مُعاويةَ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَعلَمْ مِنْ أَمرِهِ شَيئاً:
هَلْ وَرَدَ عَلَيكُمْ خَبرٌ من مُعاويةَ..؟ إِنَّهُ كانَ عَليلاً وَقَدْ طالتْ عِلَّتُهُ.. فَكَيفَ حالُهُ الآنَ..؟
تَأَوَّهَ الوَليدُ.. وَتَنفَّسَ الصَّعداءَ.. ثُمَّ قَالَ للإمامِ الحسينِ عليه السلام: يَا أَبا عبدِاللهِ.. لَقَدْ ذاقَ المَوتَ..
فقالَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام لِلوَلِيدِ:
إِنّا للهِ وَإِنّا إِليه راجِعونَ.. ولكنْ لِماذا دَعَوْتَني..؟
فَأَجابَ الوَليدُ: دَعَوتُكَ للبَيعةِ الّتي اجْتَمَعَ الناسُ عَلَيْها..
فَقالَ الإمام الحُسينُ عليه السلام:
أَيُّها الأميرُ.. إِنَّ مِثْلِي لاَ يَعطِي بَيعَتَهُ سِرّاً.. وَإِنَّما يَجِبُ أَنْ تَكونَ البيعةُ عَلانيةً بِحَضْرَةِ الْجَماعَةِ.. فَإِذا دَعوتَ النّاسَ غَداً إلى البَيعةِ.. دَعَوتَنا مَعَهُمْ..
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
فَردَّ عليهِ الوليدُ : وَاللهِ لَقَدْ قُلتَ فَأَحْسَنْتَ.. وَهكَذا كانَ ظَنّي بِكَ.
وَهُنا قامَ مَروانُ صارِخاً بالوليدِ : أَيُّها الأميرُ إنْ فارقَكَ الساعةَ ولم يُبايعْ.. فَإنّك لا تَقْدِرْ مِنْهُ عَلى مِثْلِها أَبداً.. فَاحْبِسْهُ عِنْدَكَ وَلاَ تَدَعْهُ يَخرجُ حَتّى يّبايعَ.. وَإنْ لَمْ يَفعلْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ..
فَقَالَ لَهُ الإمام الحُسينُ عليه السلام:
وَيْلِي عَليكَ يا ابن الزَرْقاءَ.. أَتأمُرُ بِضَربِ عُنُقِي..؟ كَذَبْتَ واللهِ ولَؤُمْتَ.. وَاللهِ لَوْ رامَ ذلِكَ أَحدٌ لَسقِيتُ الأرض مِنْ دَمِهِ.. فَإِنْ شِئْتَ ذلِكَ فَرُمْ أَنتَ ضَربَ عُنُقِي إِنْ كُنتَ صادِقاً..
ثُمَّ التفتَ إلى الوليدِ قائلاً:
أيُّها الأَمير.. إنّا أهلُ بيتِ النُّبوةِ.. ومَعدَنِ الرسالَةِ..
ومُخْتَلَفِ المَلائِكَةِ.. وَمَهبطُ الرَّحمَةِ.. بِنا فَتَحَ اللهُ وبِنا خَتَمَ.. ويَزِيدُ رَجلٌ فاسقٌ.. شاربٌ للخَمْرِ.. قاتلٌ للنَّفسِ.. ومُعْلِنٌ للفِسقِ.. فَمِثْلِي لاَ يُبايِعُ مِثْلَهُ.. سنُصبحُ وتَصبَحُونَ.. وَنَنْظُرُ وَتَنْظُرونَ أَيُّنا أَحقُّ بِالخِلافَةِ والبَيعَةِ..
وسَمَعَ الّذينَ عَلى البابِ صَوتَ الحُسينِ عليه السلام قَدْ عَلا.. فَهَمُّوا أَن يَقْتَحِمُوا عَلَيهِمْ المَكانَ بِسِيُوفِهم.. وَلكنَّهُمْ فُوجِئُوا بِالإمامِ الحُسينِ عليه السلام يَخْرُجُ إِليهِمْ.. فَأَمَرَهُمْ بِالاِِنْصِرافِ إِلى مَنازلِهِمْ..
وَبَعْدها قَالَ مروانُ بنُ الحكمِ مُعاتِباً الوليدَ:
إِنَّكَ عَصَيْتَنِي أَيُّها الأَميرُ حَتّى أَفلَتَ الحسينُ مِنْ يَدِكَ.. سَيَخْرُجُ عَليكَ وعَلى يَزِيدَ.. فَاعْلَم ذلِكَ..
فَقالَ لَهُ الوليدُ :
وَيحَكَ إِنَّكَ قَدْ أَشَرْتَ عَليَّ بِقَتْلِ الحُسينِ.. وَفِي قَتْلِهِ ذَهابُ دِيني ودُنيايَ.. وَاللهِ لاَ أُحِبُّ أَنْ أَمْلِكَ الدُنيا بِأَسْرِها.. شَرْقَها وَغَرْبَها.. إِزاءَ قَتْلِ الحسينِ بنِ فاطِمةَ.. وَما أَظُنُ أَحداً يَلْقِي اللهَ يَومَ القِيامةِ بِدمِهِ إِلاّ وَهُوَ خَفِيف المِيزانِ عِنْدَ اللهِ. لاَ يَنْظُرُ إِليهِ.. وَلاَ يُزَكِّيهِ.. وَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ..
***********
أَصْبَحَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام وإِذا بِمروانَ بنُ الحَكَمِ يَعتَرِضُهُ فِي طريقِهِ قائِلاً: أَبا عَبدِاللهِ.. إِنّي أُرشُدكَ إلى بَيعةِ يَزِيدَ فَإنّها خيرُ لَكَ فِي دِينِك ودُنياكَ..
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
فَاستَرْجَعَ الإِمامُ الحُسَينُ عليه السلام :
إنّا للهِ وَإنّا إِليهِ راجِعونَ.. وعَلى الإِسلامِ السلامُ إِذا ابتُليتْ الأمّةُ بِراعٍ مِثْلِ يَزِيدَ.. يَا مَروانُ أَتَرشُدُنِي لِبيعةِ يَزيدَ.. وَيَزِيدُ رَجلٌ فاسِقٌ؟ لَقَدْ قُلتَ شَطَطاً وَزلَلاً.. وَلاَ أَلُومُكَ فَإنَّكَ اللّعينُ الّذِي لَعَنَكَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَنْتَ في صُلْبِ أَبِيكَ الحَكَمِ بنِ العاصِ.. وَمَنْ لَعَنَهُ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلا يُنْكَرُ مِنْهُ أَنْ يَدْعُو لِبيعةِ يَزيدَ.. إِليكَ عَنّي ياعَدوَّ اللهِ.. فَإِنّا أَهلُ بيتِ رَسولِ اللهِ.. اَلحقُّ فِينا يَنْطِقُ على أَلسِنَتِنا.. وَقَدْ سَمِعْتُ جَدّي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ : الخِلافَةُ مُحرَّمَةٌ على آلِ أَبي سُفيانَ الطُلَقاءِ وأبناءِ الطُلَقاءِ.. فَإذا رَأَيتُمْ مُعاويةَ عَلى مَنْبَري فَأَبْقِرُوا بَطْنَهُ .
وَلَقَدْ رَآهُ أَهلُ المَدينةِ عَلى مَنْبَرِ الرَّسُولِ فَلَمْ يَفْعَلُوا بِهِ مَا أُمِروا.. فَابتَلاهُمْ اللهُ تَعالى بِابنِهِ يَزِيدَ..
فَقالَ مَروانُ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ:
وَاللهِ لا تُفارِقَنِي حَتّى تُبايعَ لِيزِيدَ صاغِراً.. فَإنّكُمْ آلُ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ مَلَئْتُمْ شَحناءً.. وشَرِبْتُم بُغضَ آلَ أبي سفيانَ.. فحَقَّ لَهُمْ بُغْضَكُمْ..
فَقالَ لَهُ الحسينُ عليه السلام :
إليكَ عَنّي فَإنَّكَ رِجْسٌ.. وَإنّي من أَهلِ بيتِ الطهارَةِ.. قَدْ أَنزَلَ اللهُ فِينا: (إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذهبَ عَنْكُمُ الرِجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطهِيرا..)(الاحزاب/33)
فَنَكّسَ مروانُ رَأسَهُ.. وَلَمْ يَنْطِقُ بِكلمةٍ واحدةٍ.. حَتّى قَالَ لَهُ الحسينُ عليه السلام:
أَبْشِرْ يَا ابن الزَّرقاءَ بِكُلِّ ما تَكْرَهُ مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يومَ تَقْدِمُ علَى رَبِّكَ.. فَيسأَلَكَ جَدّي عَنْ حَقّي..
فَمضى مروانُ إلى الوليدِ..وأَخبَرَهُ بِما قَالَهُ الحُسينُ عليه السلام . فَبعثَ الوَليدُ بِثلاثِينَ رَجُلاً فِي طَلَبِهِ.. فَلَمْ يَقْدِروا عَليهِ.. فَكَتَبَ الوليدُ إلى يَزِيدَ.. يُخْبِرَهُ بِأَمرِ الحُسَينِ عليه السلام بِأَنَّهُ لاَ يَرى عَليْهِ طَاعةً وَلا بَيعةً..
***********
بَعْدَ أَنْ وَصَلَ كِتابُ الوَلِيدُ إِلى يَزيدَ.. غَضِبَ غَضَبَاً شَدِيدَاً.. فَكَتَبَ إِليهِ كِتاباً يَطْلِبُ فِيهِ رَأْسَ الحُسينِ بنِ عَليٍّ عليه السلام وَيُمنِّيهِ بِجائِزَةٍ عَظِيمَةٍ..
فَأَعْظَمَ الوَلِيدُ ذلِكَ قائِلاً :
وَاللهِ.. لاَ يَراني اللهُ وأَنَا قاتِلُ الحُسَينِ ابنِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم .. وَلَوْ جَعَلَ لِي يَزيدُ الدُنيا وَما فِيها..
خَرَجَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام لَيلاً إلى قَبْرِ جَدِّهِ الرَّسُول صلى الله عليه وآله وسلم فَصلّى هُناكَ.. وَلمّا فَرَغَ مِنْ صَلاتِهِ جَعَلَ يَدعُو قائِلاً:
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
اللّهُمَّ إِنَّ هذا قبرُ نبيُّك محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم وأَنَا ابنُ بِنتِ نَبيِكَ.. وَقَدْ حَضَرَني مِنَ الأمرِ مَا قَدْ عَلِمْتَ.. اللّهُمَّ إِنّي أُحِبُّ المَعرُوفَ وأَكرَهُ المُنْكَرَ.. وَإِنّي أَسألُكَ يا ذا الجَلالِ والإِكرامِ بِحَقِّ هذا القَبرِ وَمَنْ فِيهِ.. اِختَرْ لِي مِنْ أَمريَ مَا هُوَ لَكَ رِضىً.. ولِرَسُولِكَ رِضىً.. وَللمؤمنينَ رِضىً..
ثُمَّ جَعَلَ يَبكي حَتّى صارَ قريباً مِنَ الفَجْرِ.. وَضَعَ رَأْسَهُ على القبرِ فَأَخَذَتْهُ إِغفاءةٌ.. وَإِذا بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قد أقبلَ عَلَيه بَين كَتِيبةٍ مِنَ المَلائِكَةِ.. فَضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ.. وَقَبَّلَه بِينِ عَيْنَيهِ.. ثُمَّ قالَ لَهُ :
حَبيبي يا حسينُ.. كَأَنِّي أَراكَ عَنْ قَرِيبٍ مُرَمَّلاً بِدِمائِكَ.. مَذبوحاً بأَرضِ كَربلاءِ.. بَينَ عِصابَةٍ مِنْ أُمَّتي.. وَاَنْتَ عَطْشانٌ لاَتُسْقى.. وظَمآن لا تُروى.. حَبيبي يا حسينُ.. إِنَّ اُمَّكَ وَأَباكَ وأَخاكَ قَدِمُوا عَليَّ.. وهُمْ إِليكَ مُشتاقُونَ.. وَإِنَّ لَكَ في الْجنَّةِ دَرجاتٍ لا تَنالُها إلاّ بالشهادةِ..
إِذَنْ.. فَقَدْ حَانَ الوَقْتُ الّذي كانَ يَنْتَظِرُه مُنْذُ نُعومَةِ أَظفارِهِ.. حِينَ تَقَدَّمَ مِنْ أُمِّهِ الزهراءَ عليها السلام يسأَلُها بِحزْنٍ شَدِيدٍ:
لِمَ يُقَبِّلُني جَدّي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ نَحْرِي دونَ فَمِي..؟!
وراحتْ دُمُوعُهُ تَسيلُ عَلى وَجْنَتَيِه.. فَما كانَ مِنْ أُمِّهِ الزهراءِ عليها السلام إِلاّ أَنْ تَتَقَدَّمَ بِالسؤالِ إِلى أَبِيها رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم.. فَأَعلَمَها بِما سَيَجْري عَلى وَلَدِها الحُسين عليه السلام..
" لَقَدْ نَزَلَ الأمينُ جِبرَئِيلُ وَأَعْطَى لِرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم زُجَاجَةَ تُرابٍ مِنْ أَرضِ كَربلاءَ.. وَقَدْ أَخْبَرَهُ بِأَنَّ الاِمامَ الحُسينَ عليه السلام سَيُقْتَلُ فِي هذِهِ الأََرضِ.. وَعِنْدَ شَهادَتِهِ سَيَصيرُ هذا التُرابُ دَماً..
فَما كَانَ مِنْ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ أنْ يَضَعَ هذِهِ الزُجَاجَةَ أَمانَةً بَينَ يَدَي زَوجَتِهِ أُمِّ المؤمنينَ أُمِّ سَلَمةَ وَهُوَ يُعلِمُهَا بِما سَيَحْصُلُ مِنْ أَمرِ الزُجاجَةِ وَأَمرِ الإمامِ الحسينِ عليه السلام"
لِذلِكَ أَوصَى الإمامُ الحسينُ عليه السلام أَخاهُ محمدَ بنَ الحنفيةِ قَبْلَ رَحِيلِهِ قائِلاً:
أَنا عازِمٌ عَلى الخروجِ إِلى مَكَةَ.. وَقَدْ تَهيّأتُ لِذلِكَ أَنا وإخوَتِي وَبَنُو أَخي وَشِيعَتِي مِمَّنْ أَمرُهُمْ أَمري.. ورَأَيُهم رَأْيي.. وَأَمّا أَنْتَ يا أَخي عَليكَ أَنْ تُقِيمَ في المدينةِ.. فَتَكونَ لِي عَيناً عَلَيْهِمْ.. وَلا تُخفِ عَليَّ شَيئاً مِنْ أُمورِهِمْ..
عَلِمَتْ اُمُّ المؤمنينَ اُمُّ سَلَمَةَ بِأَمْرِ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام فَتَذَكَّرَتْ شَيئاً مَضى عَلَيهِ سَنَواتٌ طَويلةٌ.. زُجاجةُ تُرابٍ وَضَعَهَا رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَمانَةً عِنْدَها.. فَبَعَثَتْ إِلى الإمامِ الحُسينِ عليه السلام تُخْبِرُهُ:
إِنّي أذكُرُكَ اللهَ يا وَلدِي أَنْ لا تَخْرُجْ.. فَقَدْ قَالَ لِي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُقتَلُ الحُسينُ ابني بالعراقِ.. وأَعطانِي مِنَ التُربَةِ قارُورَةً.. أَمَرَني بِحفْظِها.. ومُراعاةِ ما فِيها..
فَبَعثَ إِليها :
وَاللهِ يا أمّاهُ إِنّي لَمقتُولٌ لاَ مَحالةَ.. فَأَينَ المَفَرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ المقْدُورِ..؟
مَا مِنْ الموتِ بُدٌّ.. وَإِنّي لاََعرفُ اليومَ وَالساعةَ والمَكانَ الّذي اُقْتَلُ فِيهِ.. أَعْرِفُ مَكانِي وَمصْرَعِي والبُقعَةَ الّتِي أُدْفَنُ فِيها كَما أَعرفُكِ.. فَإنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُريكِ مَضْجَعِي.. وَمَضْجَعَ مَنْ يُسْتَشْهَدُ مَعِي.. فَعلتُ ذلِكَ..
فَحَضَرتْ اِليهِ قَائلةً : قَدْ شِئْتُ ذلِكَ..
" فَتَكَلَّمَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام بِاسْمِ اللهِ الأعظمِ.. فَتَخَفَّضَتْ الأرضُ حَتّى أَراهَا مَضْجَعَهُ.. وَمضْجَعَ مَنْ يُسْتَشْهَدُ مَعَهُ.. وأَعْطاها مِنَ التُربَةِ شَيْئاً فَخَلَطَتْهُ بِما كانَ مَعَها فِي تِلْكَ الزُجَاجَةِ.."
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
ثُمَّ قالَ لَها:
إِنّي اُقْتَلُ فِي يومِ عاشوراءَ.. وَهُوَ اليومُ العاشِرُ مِنْ مُحرَّمِ بَعدَ صَلاةِ الزَوالِ.. فَعَلَيكِ السَّلامُ يا أُماهُ.. وَرَضِيَ اللهُ عَنْكِ بِرضانا عَنْكِ..
*********
جَمَعَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام أصحابه الذِينَ عَزَمُوا عَلى الخُروجِ مَعَهُ إِلى العراقِ.. فَأَعطى كُلَّ واحدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةَ دَنانيرَ وَجَمَلاً يَحمِلُ عَلَيهِ رَحْلَهُ وَزادَهُ.. ثُمَّ طَافَ بِالبيتِ.. وَسَعى بَينَ الصّفا والمَروَةِ.. وَبَعدَها تَهيّأَ لِلخروجِ .. فَحَمَلَ بَناتَهُ وأَخواتَهُ عَلى الَمحمَلِ..
وَخَرجَ مِنْ مَكةَ يَومَ الثُلاثاءِ.. يَومَ التَروِيَةِ لِثمانٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الحَجّةِ.. وَمَعَهُ اثنانٍ وَثَمانُونَ رَجُلاً مِنْ شِيعَتِهِ ومَوالِيهِ وأَهلِ بَيْتِهِ مُتَوجِّهاً إلى العراقِ.. وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يَجْنِي مِنْ ثَورَتِهِ هذهِ نَصراً ماديّاً ظاهريّاً.. بَلْ سَوفَ يُسْتَشْهَدُ هُوَ وَأَولادُهُ وَأَصحابُهُ وإِخوَتُهُ.. وَسَتُسْبى نِساؤُهُ.. فَكَيْفَ سَيَسْتَطِيعُ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام بِهذا إِحياءَ الرسالةِ الُمحمّدِيةِ..؟!
نَعَمْ إِنَّ وَضْعَ الُمجتَمعِ الإسلاميِّ فِي مِثْلِ هذِهِ الظُروفِ كانَ يَتَطَلَّبُ القيامَ بِعَمَلٍ استِشهادِيٍّ فَاجِعٍ يُلْهَبُ الروحَ الجِهادِيَّةَ فِي هذا المجتَمَعِ.. وَيَتَضَمَّنُ أَسْمى مَراتبِ التضْحِيَةِ فِي سَبيلِ هذا المبدأ.. كَي يَكونُ مَناراً لِجَمِيعِ الثائِرينَ حِينَ تَلُوحُ لَهُمْ وَعورَةُ الطَريقِ.. وتَضَمَحِلّ أَمامَهُمْ احتِمالاتُ الفَوزِ.. لِذلِكَ شَيَّعَ الاِمامُ الحسينُ عليه السلام خُرُوجَهُ إلى مَعْركَةِ الطَفِ بِكَلِماتِهِ الخالِدةِ:: لَمْ أخرجْ أشِراً ولا بَطِراً.. وَلا مُفسِداً ولا ظالِماً.. وإنّما خَرَجْتُ لطلبِ الإصلاحِ فِي أمَّةِ جَدّي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم .
********
وَيَأْتِي يومُ العاشرِ مِنْ مُحَرَّمِ.. وَالإمامُ الحسينُ عليه السلام فِي ساحةِ المَعْرَكَةِ بِأَرضِ كَربلاءَ يُعاني آلاماً وَ رَزايا لَمْ يَشْهَدُ لَهُما التاريخُ مَثِيلاً.. فَفِي الخيامِ نِساؤُهُ وأَطفالُهُ يَمُوتُونَ عَطَشاً وَهُمْ يَحلَمُونَ بِقَطرةِ ماءٍ.. وَفِي ساحَةِ المعْرَكَةِ سَقَطَ شَهِيداً ،
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
أَخُوه أَبو الفضلِ العبّاسُ وَهُوَ مَقطوعُ الكَفَينِ عَلى شاطِىءِ الفُراتِ فِي مُحاولةٍ مِنْهُ لِجَلٌبِ الماءِ إِلى النِساءِ والأطفالِ..
واستُشْهِدَ ابنُهُ عليٌّ الأكبرَ.. والقاسمُ بنُ الحَسَنِ عليه السلام. وأَصحابُهُ الّذينَ آثَروا البَقاءَ مَعَهُ..
والأفْجَعُ مِنْ هذا هُوَ اسْتِشهادُ وَلَدِهِ عَبدِاللهِ الرَضيعِ الّذي لَمْ يَتَجاوَزَ عُمْرُهُ بِضْعَةَ شُهورٍ.. كانَ قَد جَفَّ اللّبَنُ فِي صَدْرِ أُمِّهِ الرَّباب.. فَحَمَلَهُ الإمامُ الحُسَينُ عليه السلام بَينَ يَدَيْهِ.. وَوَقَفَ بِهِ أَمامَ الأعداءِ مُخاطِباً إِياهُمْ:
أَنْتُمْ تُقاتِلُونِي وأُقاتِلُكُمْ.. فَما ذَنْبُ هذا الطفلِ الرَّضِيعِ يُعانِي مِنْ شِدَةِ الظَمَأَ..؟ خُذُوهُ أَنْتُمْ مِنّي..واسْقُوهُ جُرْعَةَ ماءٍ..
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
فَأَجابُوهُ بِسَهْمٍ أَطْلَقَهُ مُجْرِمٌ مِنْهُمْ يُدعى حَرْمَلَةَ بنَ كاهلٍ نَحوَ عُنُقِ الرَّضِيعِ.. فَذَبَحَهُ مِنَ الوَريدِ إِلى الوَرِيدِ.. فَيا أَيُّها الناسُ أَيُّ قلبٍ وعقلٍ يَستطيعانِ أَن يَصْمُدا أمامَ مُصيبةٍ كَهذِهِ..؟!!
وَرَغْمَ كلِّ مَا نَزَلَ بالإمامِ الحُسَينِ عليه السلام مِنْ آلامِ المَصائِبِ المُفْجَعاتِ الّتي استَنْزَفَتْ جَمِيعَ قِواهُ إِلى جانِبِ ذلِكَ الظمأَ الشَدِيدِ الّذِي جَعَلَ لِسَانَهُ كَالخَشَبَةِ اليابِسَةِ.. إِلاّ أَنَّهُ شَهَرَ سَيْفَهُ وَنَزَلَ لِمواجَهَةِ الأعداءِ وَحَمَلَ عَليهم حَملاتٍ مَشهودةً فَما لَبِثَ أنْ رَماهُ أَحدُهُمْ بِحَجَرٍ عَلى جَبْهَتِهِ فَجَعَلَ الدَّمَ يَسِيلُ عَلى عَيْنَيهِ وَوَجْهِهِ.. وبَينما هُوَ يُحاوِلُ مَسْحَ الدَّمَ رَماهُ آخَرُ بسَهْمٍ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ.. فَخَرَقَ السَّهْمُ قلبَ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام وَجَعَلَ الدَّمَ يَتَدَفَّقَ بِغَزارَةٍ.. وَعِنْدَها راحَ الإمامُ يُلَطِّخُ وَجْهَهُ ولِحْيَتَهُ بالدِّماءِ الطاهِرَةِ قائِلاً :
« هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بِعينِ الله.. هكذا أكونُ حَتَّى أَلقى جَدّي رَسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم وأَنَا مُخَضَّبٌ بِدَمِي.. فَأَقولُ لَهُ : قَتَلَنِي فلانُ.. وفلانُ »..
وَيومَها كانَتْ أمُّ المؤمِنِينَ أمُّ سَلَمَةَ تُحَدِّقُ بِكُلِّ لَوعةٍ وأَلَمٍ في زُجاجَةِ التُرابِ.. وَإِذا بِها فَجأَةً..!! تَتَحَوَّلُ إلى دَمٍ أَحْمَرٍ..
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
لَقَدْ اسْتُشْهِدَ الإمامُ الحُسينُ عليه السلام مِنْ أَجْلِ إِحياءِ الرِّسالَةِ المحمَّدِيةِ..
وَبِهذِهِ الفاجِعَةِ الّتِي سَتَهِزُّ ضَمِيرَ الُمجْتَمعِ الإسلاميِّ وَتُشَكّلُ انفِعالاً عَمِيقاً يَغْمُرُ النَّفْسَ فَيَدْفَعَها إلى الثَّورَةِ مِنْ أَجْلِ كَرامَتِها...
ويَبعَثُ فِي الروحِ الهامدةِ جُذْوَةً جَدِيدةً لا يَخْمِدُ أَوارُها عَلى مَرِّ الأعوامِ والقُرونِ..
***********
فَلَمْ تَكُنْ واقِعَةُ الطفِ قَضِيَّةً مَأْساوِيَةً عابِرَةً حَدَثَتْ في مَرحَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ التارِيخِ فَحَسْبُ.. وَإِنَّما هِيَ صُورةٌ متكاملةٌ لِتَجْسِيدِ الصّراعِ بَينَ الحَقِّ والباطِلِ.. صورةٌ واقِعِيةٌ تَنْبُضُ بِالحَياةِ تُشَكِّلُ قَلْبَ التارِيخِ الاِِسلاميِّ.
فَلَولاها لَماتَ ذلِكَ التارِيخُ.. هِيَ صَرْخَةٌ تَتَعالى فِي ضَمِيرِ الإِنسانِيةِ كُلّما أَسْدَلَ التاريخُ سَتَائِرَهُ،
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
يَظْهَرُ أَمامَ العالَمِ جَسَدَ الإمامِ الحُسَينِ عليه السلام مُضَرَّجاً بِدِمائِهِ يَجْثُمُ فَوْقَهُ اللّعينُ (شِمْرٌ بنُ ذِي الجَوشَن) وَهُوَ يَحِزُّ رَأسَهُ الشَّرِيفَ بالسّيفِوَمِنْ حَولِهِ آخَرُونَ . مِنْهُمْ مَنْ يَسْلِبُهُ عِمَامَتَهُ ، ومِنْهُمْ مَن يَسْلبُهُ سَيْفَهُ.. ومِنْهُمْ مَنْ يَسْلُبُهُ ثَوْبَهُ.. وَمِنْهُمْ يُحاوِلُ سَلْبَ خَاتِمَهُ فَلَمْ يَستَطِعِ انْتِزاعَهُ فَيَقْطَعَ إِصْبَعَ الإمامِ عليه السلام لِيَحْصُلَ عَلى ذلِكَ الخاتَمِ..
ويُحارُ المرءُ بَينَ أَنْ يُحَدِّقَ فِي هذا المَنْظَرِ أَو في المنظرِ الّذي خَلْفَه..
وَمَاذا خَلْفَ جَسَدِ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام غَيرَ خِيامِهِ الّتِي احتَمَتْ بِها نِساؤُهُ وأَطْفالُهُ..
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
وَقَدْ أَضرَمُوا فيها النِيرانَ ، فَخَرَجْتِ النِساءُ وَالأطفالُ يَتَصارَخُونَ فَزِعِينَ وَهُمْ يُحاوِلُونَ تَجنِب النِيرانِ.. وَبَيْنما هُمْ عَلى هذِهِ الحالةِ وَإِذا بِخيولِ الأعداءِ تَلْتَفُّ حَولَهُم..
وَهكَذا تَمتَزِجُ الصُورَتانِ فِي صورةٍ واحدةٍ..
فَيُشاهِدَ العالِمُ نِساءَ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام وأَطفالَهُ وَهُمْ يُقادُونَ اُسارى إلى مَجْلِسِ يَزيدَ بنِ مُعاوِيَةَ..
atfal1.jpg (21428 bytes)
 
وَمِنْ حَولِهِمْ الرؤوسُ مَرفُوعةٌ على الرِّماحِ . رَأْسُ الإمامِ الحُسينِ عليه السلام ورُؤوسُ أَهْل بَيتِهِ وَأَصْحابِهِ الّذِينَ أَضاءَتْ أَنوارُهُمْ دُروبَ الإنسانيةِ ، وأَحْيَتْ مَعانِيَ التَضْحِيةِ وَالفِداءِ مِنْ أَجْلِ نُصرَةِ الحَقِّ وَالدينِ .

نووي إيران... فرصة ضئيلة ولكن ممكنة

نووي إيران... فرصة ضئيلة ولكن ممكنة
 
شبكة النبأ: أصبح المعتدل الإصلاحي حسن روحاني الرئيس السابع لإيران لولاية من اربع سنوات خلفا لمحمود احمدي نجاد الذي طبعت ولايتاه المتتاليتان بتوتر وخلافات شديدة مع الغرب ولا سيما حول الملف النووي، وتعهد روحاني الذي تولى السلطة في الشهر الحالي باتباع نهج اقل تصادما من محمود احمدي نجاد الذي تعرضت ايران تحت رئاسته التي استمرت ثماني سنوات لعقوبات دولية تزداد شدة، بدعوته الى التفاهم البناء مع العالم لتسوية هذه الازمة والحصول على رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية الغربية المشددة،  حيث تشتبه الدول الغربية في ان ايران، وعلى الرغم من نفيها المتكرر، تريد امتلاك السلاح الذري تحت غطاء برنامج نووي مدني، وتواجه ايران عدة قرارات من مجلس الامن الدولي اضافة الى عقوبات اقتصادية مشددة فرضتها الولايات المتحدة ودول في الاتحاد الاوروبي الامر الذي انعكس سلبا على اقتصاد البلاد.
ويرى أغلب المحللين ان حصول حسن روحاني على منصب الرئاسة الإيرانية يمثل فرصة ممكنة لحل الخلاف مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة بشأن طموحات طهران النووية، إلا أنهم حذروا من أن رجل الدين المعتدل لا يملك زمام الأمور لفرض تغييرات، وسيظل القول الفصل في البرنامج النووي الايراني للزعيم الاعلى آية الله علي خامنئي، ويحتاج اي اتفاق مع الغرب لموافقته، ويواجه الرئيس الايراني الجديد تحديات داخلية أولها الاقتصاد الذي يعاني بسبب ارتفاع التضخم وضعف العملة.
لكن يعزو الكثير مكن المحللين أن روحاني يعد عنصرا فعالا في هذا الملف النووي المثير للجدل، كونه وقد تولى حتى 2005 المفاوضات النووية بين ايران والقوى الكبرى إبان رئاسة الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي ووافق في 2003 على تعليق برنامج تخصيب اليورانيوم وعمليات التفتيش غير المتوقعة للمنشآت الايرانية، ويرى هؤلاء المحللين انه بعدما اصبح رئيسا الان، توجد كمية كبيرة من المؤشرات المتطابقة لتأكد انه هو الذي كان المقرر الابرز الذي قدم القرار الى المرشد الاعلى وخصوصا الذي طبقه وارغم الحرس الثوري على وقف هذا البرنامج الذي كانوا يحافظون عليه كما يحافظون على بؤبؤ عيونهم.
لكن يرى بعض محللين ان من غير المؤكد ان تكون ايران مستعدة الان بدرجة اكثر لتحقيق مطالب القوى الدولية بالوقف الفوري لتخصيب اليورانيوم إلى درجة نقاء 20 في المئة ووقف العمل في منشأة فوردو، ومنذ ذلك الحين تحافظ ايران على أن يكون مخزونها من اليورانيوم المخصب لدرجة متوسطة أقل من هذه الكمية من خلال تحويل جزء منه الى وقود للمفاعلات وهو ما يؤجل اي موعد نهائي لقيام اسرائيل بعمل عسكري.
فكما يبدو أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستمضي قدما في برنامج تخصيب اليورانيوم وهو ما يشير الى عدم حدوث اي تغيير في موقف طهران، على الرغم من زيادة الآمال في حل الخلاف النووي بالزعيم الجديد حسن روحاني وهو شخصية معتدلة نسبيا رئيسا للبلاد.
فعلى الرغم من ما يتمتع به الرئيس الجديد من النفوذ في هذا الملف، تبقى هيمنة خامنئي على السياسة النووية الايرانية تمنحه القرار الحاسم في هذا الشأن، ومع اتهامه للغرب بالسعي إلى تغيير النظام أكثر من سعيه لانهاء النزاع لم يعبر خامنئي عن رغبة في حل قضية أدت إلى فرض عقوبات صارمة على قطاع النفط الايراني وعلى الاقتصاد بشكل عام، وفي وقت سابق تصطدم المحادثات بين طهران ومجموعة 5+1 (روسيا والولايات المتحدة والصين وبريطانيا وفرنسا والمانيا) منذ عدة سنوات بمسالة تعليق عمليات تخصيب اليورانيوم في ايران، وانتهى آخر اجتماع عقد في نيسان/ابريل في كازاخستان بفشل، علما بأن الجمهورية الاسلامية تخضع لسلسلة عقوبات دولية عززتها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي من طرف واحد بحظر مصرفي ونفطي، في حين أعربت روسيا والولايات المتحدة عن تفاؤل حذر حول الملف النووي الايراني بعد انتخاب روحاني، وعبرت روسيا عن امله في ان تتاح فرص جديدة لتسوية مشكلة البرنامج النووي الايراني.
لكن معظم المحلين يرون ان مهمة روحاني قد تكون معقدة اذ ان كلمة الفصل في المسائل السياسية والاقتصادية الكبرى في البلاد تبقى بيد المرشد الاعلى آية الله علي خامنئي، وعليه يبقى حل الأزمة النووي الإيرانية خلال الاونة المقبلة ما بين توجهات روحاني وأجندات خامنئي، مما يعني تسوية النزاع النووي مازال يتأرجح بين المراوغات السياسية من أجل التهدئة أو حدوث انفراجة مرتقبة بعيدة المنال.
انتظار تعهدات روحاني
في سياق متصل اعلنت المانيا انها تنتظر لتتحقق ما اذا كان تعهد الرئيس الايراني الجديد حسن روحاني باتخاذ موقف اكثر ايجابية مع الاسرة الدولية يشير الى الاستعداد لفتح حوار، وقال وزير الخارجية غيدو فيسترفيلي ان المانيا مستعدة ل"محادثات مهمة" وانها ستحكم على ايران وفقا "لافعالها"، وقال الوزير في بيان ان برلين "تابعت" باهتمام خطاب روحاني لدى تنصيبه رئيسا و"خصوصا اعلانه استعداده للتعاون مع الاسرة الدولية"، واضاف "سنتابع عن كثب ما اذا كان ذلك بداية استعداد بناء للتحاور. اننا مستعدون لمباحثات مهمة"، وتابع "سنحكم على ايران وفقا لافعالها".
واعلن روحاني استعداده للعمل لتخفيف العقوبات الدولية المفروضة على الجمهورية الاسلامية بسبب برنامجها النووي المثير للجدل. وادى روحاني اليمين امام مجلس الشورى، واقال فسترفيلي انه يأمل في احراز تقدم في الخلاف حول البرنامج النووي بعد تولي روحاني الرئاسة مؤكدا لوكالة الانباء الالمانية ان ذلك يشكل "فرصة" للخروج من المأزق وان "الافعال اهم من الاقوال". بحسب فرانس برس.
واضاف فسترفيلي "لكننا سنحكم عليه شخصيا وعلى حكومته بناء على اعماله وليس على تصريحاته"، واعلن دبلوماسي غربي رفيع المستوى الشهر الماضي ان مجموعة 5+1 تأمل في تعيين فريق جديد "قريبا" في طهران لاستئناف المباحثات حول البرنامج النووي "في اقرب فرصة"، واتت هذه التصريحات بعد لقاء في بروكسل للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن الدولي (بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة اضافة الى المانيا) هو الاول منذ الانتخابات الايرانية في حزيران/يونيو، وتتهم الدول الغربية واسرائيل ايران بالسعي الى انتاج السلاح الذري تحت غطاء برنامج نووي مدني وتنفي طهران ذلك على الدوام.
روحاني اوقف مشروعا سريا لصنع القنبلة النووية
من جهته اعلن فرنسوا نيكولو سفير فرنسا في طهران من 2001 الى 2005 ان الرئيس الايراني المنتخب حسن روحاني، هو الذي اوقف برنامجا سريا لصنع قنبلة نووية في ايران اواخر 2003، وفي مقالة نشرتها صحيفة "انترناشونال هيرالد تريبيون"، اكد نيكولو "بالاستناد الى محادثات اجريتها في تلك الفترة بصفتي سفير فرنسا في طهران مع مسؤولين ايرانيين كبارا على علاقة بالملف، اعتقد اعتقادا جازما ان روحاني كان العنصر الاساسي في هذه العملية"، وقال السفير السابق ان "التخصيب كان الجزء المنظور لكن ثمة جزء خفي، سري، هو صنع قنبلة نووية - بعد صنع اليورانيوم المخصب كيف نضعه على رأس صاروخ وكيف نرسله الى +اصدقاء+ في المنطقة- وهذا هو البرنامج الذي اوقفه روحاني". بحسب فرانس برس.
وكتب "بالتأكيد، لم يكن في وسع الايرانيين في تلك الفترة الاعتراف امام اجنبي بوجود هذا البرنامج، ولا استطيع ان احدد المسؤولين الذين تحدثت معهم في تلك الفترة"، ووجود هذا البرنامج السري ووقفه في 2003 اكدتهما "بدرجة عالية من الدقة" اجهزة الاستخبارات المركزية الاميركية في 2007 ثم الوكالة الدولية للطاقة الذرية في تقرير في 2011، "وما لم يتم قوله هو من اوقف هذا البرنامج" كما ذكر نيكولو.
البرنامج النووي مابين حسن نية واشطن وجدية طهران
على صعيد ذو صلة اعلن البيت الابيض ان الولايات المتحدة ستكون "شريكا ذي ارادة حسنة" في الملف النووي الايراني في حال التزمت الحكومة الايرانية الجديدة "بشكل جوهري وجاد باحترام واجباتها الدولية"، وجاء في بيان صدر عن الرئاسة الاميركية يوم اداء الرئيس الايراني الجديد اليمين الدستورية "ان تنصيب الرئيس (حسن) روحاني يشكل فرصة لايران من اجل التحرك سريعا لطمأنة المخاوف الكبيرة لدى الاسرة الدولية بشأن برنامجها النووي"، وكتب البيت الابيض "ان اختارت هذه الحكومة الجديدة الالتزام بشكل جوهري وجاد باحترام واجباتها الدولية وايجاد حل سلمي لهذه المشكلة فان الولايات المتحدة ستكون شريكا ذي ارادة حسنة"، وهنأت الرئاسة الشعب الايراني "لاسماعه صوته" مشيرة الى ان "الرئيس روحاني اقر بان انتخابه يشكل نداء من الايرانيين من اجل التغيير"، واضافت "نأمل ان تأخذ الحكومة الجديدة بارادة الناخبين باتخاذها الخيارات التي ستحسن حياة الايرانيين". بحسب فرانس برس.
وقال روحاني (64 عاما) في خطاب امام مجلس الشورى متوجها الى الدول الغربية التي فرضت عقوبات اقتصادية غير مسبوقة تخنق اقتصاد بلاده "لا يمكن ارغام الشعب الايراني على التنازل (عن حقوقه النووية) بالعقوبات والتهديدات بالحرب، ان الطريقة الوحيدة للتعامل مع ايران هي الحوار على قدم المساواة وفي اطار الاحترام المتبادل لخفض مستوى العداء"، وتابع غداة توليه رسميا مهامه كرئيس للجمهورية الاسلامية "اذا اردتم ردا مناسبا لا تستخدموا لغة العقوبات بل الاحترام".
وجود موقع نووي جديد
من جهتها نفت ايران المعلومات التي اوردها معارضون في المنفى في منظمة مجاهدي خلق حول وجود موقع نووي سري جديد قرب دمواند في محافظة طهران، كما ذكرت وكالة مهر، وقال عباس عرقشي المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية ان "هذه المعلومة خاطئة وننفيها"، وكشف معارضون ايرانيون من منظمة مجاهدي خلق انهم حصلوا على معلومات حول وجود موقع سري جديد ضمن البرنامج النووي الايراني بالقرب من دمواند في محافظة طهران (شمال)، واعلن المجلس الوطني للمقاومة الايرانية الذي تنتمي اليه منظمة مجاهدي خلق في بيان ان "شبكة منظمة مجاهدي خلق داخل ايران حصلت على معلومات موثوقة حول وجود موقع جديد سري مخصص للبرنامج النووي للنظام، تم جمعها طيلة عام من قرابة خمسين مصدر في مختلف مؤسسات النظام"، والمجلس الذي يوجد مقره في المنطقة الباريسية، هو التنظيم الرئيسي للمعارضة الايرانية في المنفى، وقد اورد مرارا في الماضي معلومات حول البرنامج النووي الايراني. بحسب فرانس برس.
وصرح جيل تودور المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا في بريد الكتروني ان "الوكالة ستقيم المعلومات التي اعلنت كما نفعل حيال كل معلومة جديدة نتلقاها"، وبحسب المجلس الوطني للمقاومة الايرانية، فان "الموقع هو مركز جديد مخصص لنشاطات نووية. الاسم السري للمشروع هو +منجم الشرق+ نسبة الى منجم قريب او +مشروع كوسار+. والموقع موجود وراء سلسلة من الانفاق داخل الجبل في ضواحي مدينة دمواند (شمال طهران)"، وتابع ان "بناء المرحلة الاولى من المشروع بدا في العام 2006 وانتهى مؤخرا. وشملت المرحلة الاولى حفر الانفاق واربعة مستودعات في المنطقة الخارجية ومنشآت الموقع وتشييد الطرقات من اجله".
بوتين في إيران
من جهته يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ايران بعد تنصيب الرئيس الجديد حسن روحاني، في محاولة لتحريك المفاوضات حول الملف النووي الايراني، على ما افادت صحيفة كومرسانت، وقال المتحدث باسم الخارجية الايرانية عباس عراقجي لوكالة الانباء الايرانية "ايسنا" تعقيبا على هذا الخبر "لا يمكنني تأكيد النبأ حول زيارة السيد بوتين"، وبدوره، قال ديمتري بيسكوف المتحدث باسم بوتين انه لا يسعه "في الوقت الحاضر تاكيد" المعلومات بشان هذه الزيارة، وكتبت الصحيفة نقلا عن مصادر مطلعة على التحضيرات لهذه الزيارة ان "الكرملين يعتزم اغتنام فرصة تولي الرئيس الجديد حسن روحاني السلطة لتحريك المفاوضات المتعثرة حول البرنامج النووي الايراني". بحسب فرانس برس.
وقال مصدر دبلوماسي روسي لصحيفة كومرسانت ان زيارة بوتين التي ستكون الاولى منذ 2007 "ستسمح بفهم ما اذا كانت السلطات الايرانية الجديدة على استعداد لبذل المزيد من الجهود للاخذ بمطالب الاسرة الدولية".
بناء محطات الطاقة النووية بمساعدة روسية
من جهته أعلن الرئيس الإيراني المنتهية ولايته محمود أحمدي نجاد إن بلاده تأمل ببناء المزيد من محطات الطاقة النووية بمساعدة روسية، ونقلت وسائل إعلام روسية عن أحمدي نجاد قوله في الكرملين أمام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "أظن انه بإمكاننا مواصلة التعاون في هذا القطاع وبناء المزيد من محطات الطاقة النووية، وعقدت المحادثات الأولية"، يشار الى ان روسيا قامت ببناء محطة بوشهر الكهرو ذرية الايرانية. بحسب يونايتد برس.
إلى ذلك، قال الرئيس الإيراني في حديث لقناة "روسيا اليوم" إن الغرب لا يريد انتهاء الأزمة السورية ويعمل على إطالة أمدها، وأضاف ان "استمرار الوضع الحالي (في سورية) يصب في مصلحة الكيان الصهيوني"، مشيرا الى انه اذا استمرت الأزمة 20 سنة أخرى فستستفيد اسرائيل من ذلك، وقال ان الغرب يسعى لانتشار الأزمة لتشمل الدول الأخرى في المنطقة، واعتبر ان الحل العسكري لتطور الاحداث في سورية "طريقاً خاطئاً"، مشددا على ضرورة تحقيق التوافق في البلاد، وأعرب عن اعتقاده بان الازمة ستستمر لفترة طويلة، وفي معرض حديثه عن العلاقات بين ايران والولايات المتحدة، اشار أحمدي نجاد إلى ان الحوار المباشر هو السبيل الأفضل لحل المشاكل، ولكن لا يمكن إجراء الحوار إلا على أساس التكافؤ.
من جانبه قال رئيس هيئة الطاقة الذرية الايرانية ان بلاده ستمضي قدما في برنامج تخصيب اليورانيوم وهو ما يشير الى عدم حدوث اي تغيير في موقف طهران رغم الانتخابات الرئاسية التي جرت في 14 يونيو حزيران وفاز بها رئيس معتدل، وقال فريدون عباسي دواني رئيس الهيئة ان انتاج الوقود النووي "سيستمر بما يتفق مع أهدافنا المعلنة. التخصيب من اجل انتاج الوقود لن يتغير أيضا"، وخلال حديثه مع صحفيين من خلال مترجم في مؤتمر عن الطاقة النووية في سان بطرسبرج في روسيا قال ايضا ان العمل في منشأة فوردو وهي منشأة تحت الارض سيستمر أيضا. ويطالب الغرب ايران باغلاقها، وتعمل ايران على تخصيب اليورانيوم في منشأة فوردو في خطوة قريبة نسبيا من تخصيبه إلى درجة يمكن استخدامها في صنع الاسلحة النووية.
وقال عباسي دواني ان محطة توليد الكهرباء من الطاقة النووية الوحيدة في بوشهر الايرانية - والتي واجهت توقفا اكثر من مرة - قد "اعيدت للعمل" قبل ثلاثة ايام وانها تعمل بقدرة 1000 ميجاوات، وقال تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية في مايو ايار ان مفاعل بوشهر الذي انشأته روسيا توقف عن العمل لكنه لم يقدم اسبابا لهذا التوقف، وقال عباسي دواني "الحمد لله لم تبلغني أي عيوب كبيرة في المنشأة خلال الايام الاخيرة"، وزاد الامل في التوصل الى حل للنزاع النووي بعد انتخاب حسن روحاني رئيسا هذا الشهر بعد ان وعد بانتهاج مسار أقل تصادما في العلاقات الخارجية من سلفه المنتهية ولايته محمود أحمدي نجادوقال علي خامنئي الزعيم الاعلى الايراني ان الازمة النووية من الممكن ان تحل بسهولة اذا أقلع الغرب عن عناده. بحسب رويترز.
وسئل عباسي دواني ان كانت سياسة ايران النووية ستتغير بعد انتخاب روحاني رئيسا وعما اذا كانت ستتوقف عن تخصيب اليورانيوم إلى درجة 20 في المئة فقال ان البرنامج النووي الايراني يهدف إلى توليد الكهرباء وله اغراض طبية، وقال "وفقا لهذين الهدفين بالطبع فلن يتوقف انتاج الطاقة"، وقال ان منشأة فوردو تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية "ولذا ووفقا لخططنا المعلنة فسوف نواصل العمل في هذا المركز"، وقال وهو يقف امام نموذج لمحطة بوشهر في معرض الصناعة النووية في سان بطرسبرج ان طهران ستسلم الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تتخذ من فيينا مقرا لها قائمة تتضمن مواقع مفاعلات جديدة تنوي ايران انشاءها.
الخلاف النووي يمكن حله بسهولة
الى ذلك قال الزعيم الايراني الاعلى آية الله علي خامنئي ان الخلاف الخاص بالبرنامج النووي لبلاده يمكن حله بسهولة اذا كف الغرب عن التصلب، وبينما اتهم الزعيم الإيراني الغرب بأنه مهتم بتغيير النظام اكثر من إنهاء الأزمة عبر خامنئي عن رغبته في حل القضية التي أدت الى فرض عقوبات هي الأقسى من نوعها على قطاع النفط الايراني وعلى الاقتصاد بوجه عام، ونقل الموقع الرسمي لخامنئي على الانترنت عنه قوله "بعض الدول كونت جبهة متحدة ضد ايران وتضلل المجتمع الدولي ولا تريد بعنادها حل القضية النووية"، واضاف "لكن اذا تخلوا عن تصلبهم فسيكون حل القضية النووية سهلا" دون ان يوضح ما هي التنازلات التي يريد ان تقدمها الدول الغربية.
وقال خامنئي مرارا ان التصويت في الانتخابات "الملحمية" هو تصويت للنظام لكنه ناشد اليوم ايضا المشاعر الوطنية في اعتراف نادر بأن بعض الايرانيين ربما لا يؤيدون الجمهورية الاسلامية لكنهم مع ذلك لا يقعون في فئة "العدو"، وقال لمجموعة من القضاة "هذا (الاقبال) يظهر انه حتى الناس التي لا تؤيد النظام تثق فيه وفي انتخاباته لانهم يعرفون ان قوة الجمهورية الاسلامية تجعلها تقف كالاسد وتدافع عن المصالح والكرامة الوطنية بشكل جيد". بحسب رويترز.
غير ان خامنئي الذي اختير لمنصب المرشد مدى الحياة عام 1989 مقتنع فيما يبدو بأن الغرب عازم على إزاحته وتدمير نظام ولاية الفقيه الذي يقوم عليه نظام الحكم في ايران، واضاف "الجمهورية الاسلامية تتصرف بشكل قانوني وشفاف في النقاش النووي وتعرض حججا منطقية لكن هدف الاعداء وعبر استمرار الضغط هو انهاك ايران وتغيير النظام ولن يسمحوا بأن تحل القضية"، وكان الرئيس الامريكي باراك اوباما كتب خطابا لخامنئي في 2009 وفي 2012 عرض حوارا مباشرا شريطة ان تكون ايران جادة بشأن انهاء المخاوف المتعلقة ببرنامجها النووي، لكن هذه المحاولات لم تفعل شيئا يذكر في تهدئة مخاوف خامنئي، وقال "بالطبع الاعداء يقولون في كلماتهم وخطاباتهم انهم لا يريدون تغيير النظام لكن نهجهم يناقض هذه الكلمات".
شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 22/آب/2013 - 14/شوال/1434

سياسة بناء الإنسان من واقع الإسلام

سياسة بناء الإنسان من واقع الإسلام
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
محمد علي جواد تقي
 
شبكة النبأ: لماذا تفتقد مجتمعاتنا قدراً كبيراً من حسن السيرة والسلوك..؟ ولماذا يغيب التعامل الإنساني فيما بيننا؟ وينعدم احترام الآخر؟ ويتراجع الشعور بالمسؤولية إزاء الآخرين؟ إنها قيم اخلاقية ومفاهيم انسانية تُعد من اللبنات الأساس في بناء أي أمة طامحة للتقدم وتحقيق النجاح.
في البلاد التي تسعى للانطلاق في عملية البناء الشامل مثل العراق، قال البعض: الأولوية للتخطيط والبرمجة والافكار.. فيما قال البعض الآخر: الأولوية للتجارب العملية الموجودة في البلاد المتقدمة، وآخر قال: المهم التخصيصات المالية، بدعوى أن المال يصنع المعجزات..! وأكثر من ذلك كله؛ قال البعض: نحن بحاجة الى "تجربة إنسان"،  وليس تجربة النظرية والفكرة والخطة.. بمعنى أن علينا استيراد النموذج الغربي – مثلاً- للإنسان المنظّم، والملتزم، والمنتج، ليحلّ محل إنساننا الكسول، واللامسؤول، والأناني و...، وفي خطوة مختصرة يذهب البعض الى تقريب هذا النمط او النموذج الى الذهنية الموجودة لدينا (لإنساننا) من خلال مطالعة الكتب وتنظيم الدورات وتلقي الدروس المحاضرات وتنظيم الورش الخاصة بهذا المضمون، حتى يتحقق للإنسان التجديد الذاتي – إن صح التعبير- ويتمكن من طيّ مرحلة الماضي المتخلف.
إنه لأمرٌ جيد وحسن، أن يكون التفكير والهمّ في المسألة الأساس خلال عملية البناء المجتمعي والحضاري، وهي "بناء الإنسان"، لكن ما يثير الحزن والأسف حقاً؛ ان نكون على مقربة من المعين الزلال، ثم نهيم على وجوهنا هنا وهناك، غير مستشعرين وجود هذا المعين بين أيدينا، متمثلة بسيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، وهذا ما ينبهنا اليه سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي – دام ظله- في كتابه "السياسة من واقع الإسلام"، حيث يشير بوضوح لا لبس فيه، أن النبي الأكرم هو أول من بدأ عملية البناء الإنساني، فهو، صلى الله عليه وآله، بدأ في المرحلة الاولى بهدم وإزالة مظاهر الشرك، وأرسى دعائم التوحيد، ثم كافح القيم اللا اخلاقية واللا انسانية في المجتمع المكّي الجاهلي، وفي مرحلة لاحقة بدأ ببناء الإنسان بكل جوانبه؛ النفسية ، والاجتماعية، والمادية، والبدنية، وغيرها.
من هنا نستلهم من هذا الكتاب القيّم، أن مسؤولية بناء الإنسان تقع على عاتق القيادة بالدرجة الاولى، ثم يكون للإنسان نفسه دورٌ تكميلي وتفاعلي مع هذا المشروع. والقيادة هنا يمكن ان تكون قيادة روحانية متمثلة بالمرجعية الدينية والحوزة العلمية، أو قيادة سياسية، متمثلة بالحكومات والأنظمة السياسية الحاكمة في بلادنا. وهذا تحديداً ما فعله النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، خلال السنوات العشر الاخيرة من عمره الشريف التي قضاها في المدينة. وعندما نتحدث في أدبياتنا عن سرعة انتشار الاسلام، وقوة تأثيره في النفوس الى ما وراء البحار والوديان، في أقاصي العالم، إنما الفضل يعود الى تلك اللبنات الذهبية التي وضعها نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله، في هيكل المجتمع الاسلامي الأول، فلم يعد الانسان العربي في الجزيرة العربية، ذلك الجاهل والقاسي والمعاند، إلا بعض الشواذ في المجتمع ممن ظل متمسكاً بنزعاته الدموية والسلطوية، مفضلاً المصالح الشخصية والقبلية على الدين والقيم.
لذا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي "أن النبي صلی الله عليه و آله، كان يتولّى تربية أفراد الأمّة بنفسه غالباً، ومهما سنحت الفرص، فيندمج معهم في الحديث، ويخوض حيثما خاضوا، ويصحح ما أخطأوا إمعاناً في جلب قلوبهم إلى الله ورسوله، وتعميقاً في هدايتهم إلى سبيل الله والرشاد..". ويعضد سماحته الفكرة بآيات من الذكر الحكيم: "لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين"، وقوله تعالى، نقلاً عن دعاء إبراهيم الخليل عليه السلام : "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ" وقوله تعالى: "كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ). ويقول ايضاً: "وكان في حديثه صلی الله عليه و آله، مع المسلمين يندمج معهم كاملة، اندماج المعلّم العطوف المربي الذي يحب أن يصعد بنفسيتهم وثقافتهم وتربيتهم".
النبي.. القائد والمعلّم
وعندما يكون الحديث عن المعلم والمتعلم، ربما يتبادر الى الأذهان أجواء المدرسة، فهنا معلّم أو مدرس، وهناك طالب عليه السمع والطاعة لكسب العلم، وإلا فان الذي يسرح بذهنه بعيداً اثناء الحصة الدراسية، أو يجد فيه المعلّم قصوراً في الفهم والاستيعاب، فانه في أحسن الاحوال، سيتجاهله ولا يعبأ به بالمرة. بينما نجد الرسول الأكرم حيث يعبّر عنه سماحة السيد المرجع بأنه "المعلّم العطوف والمربي"، يقوم ليس فقط بدور المعلّم والمبلغ، إنما بدور أبوي حنون على الإنسان، فيعزز التعلّم ويحببه في النفوس، بحبه للآخرين والاندماج معهم ومراعاة مشاعرهم واحاسيسهم. واعتقد جزماً؛ أن هذه الفقرة بالذات، هي ضالة الكثير من المعنيين بأمر التبليغ والتربية والتعليم في عموم بلادنا الاسلامية. بل ذهب البعض الى أبعد من هذا في الانحراف عن سيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، بانتقادهم من يتحلّي بالتواضع والتواصل مع الآخرين، بل حتى عدم احترامه وتهميشه من دائرة الرموز العلمية والفقهية اللامعة..!
سماحته يدعونا الى مطالعة السيرة النبوية الشريفة، عندما يعدد الحالات التي كان يمارسها ويكرّسها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وهي:
1- يكرر ثلاثاً
روي عن ابن عباس أنّه قال: كان رسول الله صلی الله عليه و آله إذا حدّث الحديث أو سُأل عن الأمر، كرره ثلاثاً ليفهم ويفهم عنه.
يقول سماحته معلقاً على الرواية: "ولعل معنى الخبر: لكي يفهم المخاطبين، ولكي لا ينقل خطأ أو سهواً، أمر آخر، عند ما ينقل عنه الحديث.. ويظهر من هذا الخبر أنّ التكرار كانت عادته، صلی الله عليه و آله، الغالبة على كلماته الشريفة.
2- يخوض فيما يحدّثون
روي عن زيد بن ثابت أنّه قال: إنّ النبي صلی الله عليه و آله، كنا إذا جلسنا إليه صلی الله عليه و آله، إن أخذنا بحديث في ذكر الآخرة أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الدنيا أخذ معنا، وإن أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلی الله عليه و آله.
يقول سماحته: "الدنيا، الطعام، الشراب، هي التي لا يفكر فيها رسول الله صلی الله عليه و آله إطلاقاً و أبداً، ولكنه لكي يستبقي على عواطف المسلمين، ولكي لا ينفروا منه كان يدخل في الحديث معهم في الدنيا، والطعام، والشراب.
3- يكرم بوسادته
روي عن سلمان الفارسي رحمه الله أنه قال: دخلت على رسول الله صلی الله عليه و آله، وهو متكئ على وسادة، فألقاها إليّ، ثم قال صلی الله عليه و آله: "يا سلمان ما من مسلم دخل على أخيه المسلم فيلقي لـه الوسادة إكراماً لـه إلا غفر الله له". يقول سماحته في ذلك: "و وسادته التي اتكأ صلی الله عليه و آله عليها يلقيها إلى سلمان رحمه الله تعميقاً في التلاحم بين القائد والقاعدة، وتعليماً للمسلمين لكي يمارسوا هذا التلاحم في كل الأبعاد وكافة المجالات.
4- رمى ثوبه إليه
روي عن جرير بن عبد الله قال: إنّ النبي صلی الله عليه و آله دخل بعض بيوته فامتلأ البيت ، ودخل جرير فقعد خارج البيت فأبصره النبي صلی الله عليه و آله، فأخذ ثوبه فلفه فرمى به إليه وقال: اجلس على هذا، فأخذه جرير فوضعه على وجهه فقبّله.
5- لا يعرف في مجلسه
وعن أبي ذر أنّه قال: كان رسول الله، صلی الله عليه و آله، يجلس بين ظهراني أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيّهم هو حتى يسأل..
6- يبدأ بالسلام
وكان رسول الله صلی الله عليه و آله، إذا مرّ على جماعة بدأهم بالسلام، حتى قال بعض أصحابه: إنّه كلما أراد أن يبدأ النبي صلی الله عليه و آله، بالسلام ـ إذا التقى به ـ فإذا بالنبي صلی الله عليه و آله يسبقه ويسلّم عليه.
7- مجلسه حلقة
روي عن أنس بن مالك ـ خادم رسول الله صلی الله عليه و آله ـ قال: كنا إذا أتينا النبـي صلی الله عليه و آله جلسنا حلقة.
أمام الرئيس خياران: البناء أو الهدم
هذه الفقرة، يسلط عليها سماحته الضوء بدقة لما لها من أبعاد اجتماعية وسياسية هامة، يقول: "هذا الخلق الرفيع الذي لا يدع المجلس صدراً و ذيلاً، ولا تهان كرامة أحد في المجلس لا عند الناس، ولا عند نفسه، فكل جالس في مثل هذا المجلس الدائري هو المبتدأ به، وهو الأخير، وهو الوسط.. هو الذي اتخذه الرسول صلی الله عليه و آله لسياسة جلساته مع المسلمين".
ويضيف سماحته موضحاً: "وقد تعلّم العالم هذا الخلق عن النبي الأكرم، صلی الله عليه و آله، بعد ما سار التمدّن فيه أكثر من عشرة قرون. ولذلك تجد مجالس البرلمان، ومجالس الوزراء، ومجالس الساسة ـ في كثير من بلدان العالم اليوم ـ دائرية".
طبعاً؛ سماحته ذكر العديد من الحالات والصفات التي قدمها لنا نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله، دروساً مضيئة، إلا اننا اقتطفنا بعضها مراعاة للحيز المحدود. ويؤكد سماحته على حقيقة هامة للغاية في هذا المجال؛ وهي أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، بسلوكه ومواقفه وأعماله بين المسلمين، نجح في أن يكمل صورة الإسلام أمام التاريخ ولدى الأجيال القادمة، ولن يكون باستطاعة شخص او جماعة أن تختط طريقاً ملتوياً للمسلمين وتأتي بنظام ومنهج وسلوك جديد، فتحرم وتكفّر وتأمر بما لم ينزل به الله من سلطان. لذا يقول: "نسجّل هذا لكي لا يتصدّى لتعريف الإسلام من يجهل الإسلام. وينقطع الطريق على الذين يشوهون بأقلامهم الإسلام. وتبرأ ساحة الإسلام الناصعة من كل ما يمارس باسم الإسلام في أكثر البلاد الإسلامية ـ في هذا العصر ـ مما الإسلام منه براء".
وهنا يضع سماحته يده على الجرح، فالحاكم الذي يدّعي الإسلام وهو يمارس سلوكاً ويتخذ مواقفاً وينتهج نهجاً بعيداً عن الإسلام، لن يكون جديراً بأن يقود المسلمين، في أي بلد كان، كأن يكون رئيساً للوزراء أو رئيساً للجمهورية أو ملكاً أو قائداً، لأن ببساطة، المسلم الذي يعتزّ بدينه وقيمه ويقدّس نبيه الكريم، ويعده الشخصية الاولى في العالم، بل ويفخر به أمام العالم والأمم بأنه يتبع هكذا شخصية عظيمة، بحاجة الى من يجسّد له تلك العظمة وتلك الصفات والحالات الحضارية والتنموية ما أمكن، والتي من شأنها ان تنتشله من واقعه المزري والمأساوي الحالي الى مراقي التطور والتقدم.
شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 22/آب/2013 - 14/شوال/1434